السيد الطباطبائي
18
بداية الحكمة
القوابل المختلفة من الأجسام الكثيفة ، كذلك الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة متمايزة بالشدة والضعف ، والتقدم والتأخر ، وغير ذلك ، فيرجع ما به الامتياز فيها إلى ما به الاشتراك ، وما به الاختلاف إلى ما به الاتحاد ، فليست خصوصية شئ من المراتب جزءا مقوما للوجود ، لبساطته - كما سيجئ ( 1 ) - ، ولا أمرا خارجا عنه ، لأن أصالة الوجود تبطل ما هو غيره الخارج عنه ، بل الخصوصية في كل مرتبة مقومة لنفس المرتبة ( 2 ) - بمعنى ما ليس بخارج منها - . ولها ( 3 ) كثرة طولية باعتبار المراتب المختلفة الآخذة من أضعف المراتب ، وهي التي لا فعلية لها إلا عدم الفعلية ، وهي المادة الأولى الواقعة في أفق العدم ، ثم تتصاعد ( 4 ) المراتب إلى أن تنتهي إلى المرتبة الواجبة لذاتها ، وهي التي لا حد لها إلا عدم الحد . ولها ( 5 ) كثرة عرضية باعتبار تخصصها بالماهيات المختلفة التي هي مثار الكثرة .
--> ( 1 ) في الفصل السابع من هذه المرحلة . ( 2 ) أي ولا تكون تلك الخصوصية عارضة . فالتقدم للوجود المتقدم ليس جزءا مقوما للوجود وإلا لتركب والوجود بسيط ، ولا عارضا وإلا لكان جائز التأخر ولزم الانقلاب وهو محال . ( 3 ) أي لحقيقة الوجود . ( 4 ) توضيحه : أنا إذا اعتبرنا مراتب هذه الحقيقة آخذة من أضعف المراتب ، كانت المرتبة الثانية التي فوقها أشد منها وأقوى ، وكانت الثالثة التي فوق الثانية أشد مما تحتها وأقوى ، وهكذا حتى تنتهي إلى المرتبة العليا التي فوق الجميع . ثم إذا أخذنا بعض المراتب المتوسطة وقسناها إلى ما فوقها ، كانت التي فوقها مشتملة على ما فيها من الكمال وزيادة ، بخلاف التي تحتها ، فإذن التي تحتها محدودة بالنسبة إلى ما فوقها فاقدة لتمام كمالها ، ثم إذا قسنا التي فوق إلى التي فوقها كانت أيضا محدودة بالنسبة إلى ما فوقها . وعلى هذا القياس ، حتى تنتهي إلى المرتبة التي هي فوق الجميع ، فما دونها محدودة بالنسبة إليها ، وهي مطلقة غير محدودة بحد عدمي ، وإن شئت فقل : " حدها أنه لا حد لها " . وأما المرتبة التي تحت الجميع ، ففيها كل حد عدمي ، وليس لها من الكمال إلا أنها تقبل الكمال ، وهي الهيولى الأولى - منه رحمه الله . ( 5 ) أي لحقيقة الوجود .